القنطرار قبيلة عريقة لها وجود في غرب ليبيا منذ القرن الثاني الهجري حيث ينسب إليها العلامة نفاث بن نصر القنطراري (171 ـ 258) وأبو يعقوب يوسف القنطراري وأبو يحيى زكريا القنطراري (ينظر في ذلك كتاب السير للشماخي والطبقات للدرجيني ) وكان لهذه القبيلة وجود في منطقة ككلة قرب زاوية أبي ماضي حيث توجد لهم آثار تعرف بقصور قنطرار وسكنت قبيلة قنطرار مزدة منذ مئات السنين وكانت تنقسم إلى مزدة لوطية ومزدة الفوقية وكانت محمية بسياج لا تزال آثاره إلى اليوم وقلاع لا تزال شامخة تسمى القصبات منها قصبة غزالة ويملك أهلها مزارع صغيرة (سواني) تكفي حاجة البلد من الفواكة والخصراوات.
ولقنطرار أودية زراعية يخرج لها الأهالي في مواسم الحرث مثل وادي فيصل ووادي سوف الجين ووادي مزي ووادي الأثلة، وأم السدر فيحرثونها قمحا وشعيرا ويرجعون إلى مدينتهم منتظرين موسم الحصاد، عاش مع أهلها بعض العائلات من الزنتان وامتزجوا بأهلها في السكنى والحياة وتصاهروا وكانوا نسيجا متآلفا منذ قرون.
لم يسكن مزدة غيرهم من القبائل، فلا يوجد أي بيت أو عقار في المدينة القديمة بمزدة لغير القنطرار أو بعض ممن عاش معهم من الزنتان . أما المشاشية فلم يسكنوا مزدة قديما وكان يتنقلون في الصحاري تبعا للمراعي ولا يوجد لهم مكان استقرار وكانت حرفتهم الأصلية رعي الإبل والغنم لسكان منطقة القبلة عامة من قنطرار وزنتان وأولاد بوسيف وغيرهم، ولا يعرفون الزراعة ولا الحراثة، ولا توجد لهم فيما نعلم أي حجة في أرض زراعية من الأودية مثل التي يملكها القنطرار والزنتان وأولاد بوسيف.
وفي نهاية فصل الربيع ودنو فصل الصيف من كل عام يرد المشاشية سواني مزدة بإبلهم وأغنامهم، وينزلون حول مدينة مزدة بخيامهم مؤقتا، ثم يرحلون إلى الصحراء كعادتهم وفي أوائل الستينات وبانتشار المدارس في ربوع ليبيا أقبل بعضهم على تسجيل أبنائهم في المدارس مما اضطرهم إلى الاستقرار في خيام حول مزدة ليتمكن أبناؤهم من الوصول إلى المدرسة.
وإلى أواخر الستينات لا يوجد أي مشاي أو بوسيفي أو عويتي يملك بيتا في مزدة اللهم إلا مدير المشاشية وشرطي مشاي بيعت لهما قطعة أرض لإقامة بيت بها بعد موافقة شيوخ قنطرار.
وحتى مدير أولاد بوسيف كان يسكن مزدة بالإيجار هو وأبناؤه ولا يملك شبر أرض في مزدة إلى منتصف السبعينات حيث اشترى قطعة أرض بعد موافقة أهل البلد.
وللتاريخ كانت العلاقة بين القنطرار والمشاشية جد طيبة ولا توجد عداوات تاريخية بين القبيلتين.
بعد انقلاب سبتمبر 1969م انقلبت الموازين في ليبيا وصار الغريب صاحب البلد وصاحب البلد غريبا، ثم بعد صدور الكتاب الأغبر الذي يقول أن الأرض ليست ملكا لأحد استغل البدو الرحل ذلك واستقووا بالظالم فملكوا أرض القنطرار واستولوا حتى على الأراضي الزراعية، فكانت تقوم المناوشات بينهم وبين القنطرار، ولكن الحكم الظالم لا ينظر إلى حجة في أرض أو دليل ملكية وإنما حجتهم الأرض ليست ملكا لأحد، كما ساعدت القروض المصرفية على قرض الأراضي وتشجيع الرحل على الاستقرار في مزدة حتى صاروا يملكون في مزدة أكثر من أهلها.
وصبر القنطرار على مضض منتظرين ساعة الخلاص من هذا الظلم ، فما إن اندلعت ثورة 17 فبراير حتى خرج أبناء قنطرار معانقين لها مندفعين إلى حرق مثابة اللجان الثورية والأمن الداخلي بمزدة وخرجوا هاتفين بسقوط النظام . وسرعان ما تجمهر المشاشية في مزدة ومنطقة الشقيقة ووامس 40 كم شمال مزدة وانتظموا في جحافل مرصوصة لنصرة الطاغية فكان جحفل الفزعة وجحفل المشاشية وغيرهما من الجحافل التي انخرط فيها المتطوعون بالمئات من أبناء المشاشية للوقوف في وجه ثورة الشعب ثورة 17 فبراير. وحوصر أبناء قنطرار في مزدة وقدم جيراننا من المشاشية القوائم لكتيبة سحبان الأمنية للقبض على ثوار قنطرار وفر شبابنا ملتحقا بالثوار في الجبل مشاركين في معارك الحمادة والجبل ومادين بالسلاح الذي استولوا عليه من مخازن مزدة والقريات.
وانتصرت الثورة ومات الطاغية وحق لليبيين أن يحتفلوا بالنصر إلا مزدة حيث قام أهلها بالاحتفال، فقابلهم المشاشية بالأعلام الخضراء يهتفون بالمقولات الشركية، فقتلوا فيهم الفرحة بالنصر خوفا من حدوث ما لا يحمد عقباه بين الجيران في السكن.
وتكرر الحال واشتد الاحتقان وحدثث مناوشات قتل فيها رجل فاضل من قنطرار (المرحوم مفتاح علي الفقيه) ثم قتل آخر من المشاشية وحاول العقال رأب الصدع، ولكن تطاول المشاشية على أهل البلد من القنطرار وأسروا منهم شبابا لا يعلمون عن الأحداث الأخيرة شيئا وقتلوا أحد الأسرى (طه الهادي المختار) وهو إمام مسجد يحمل كتاب الله في مقتبل العمر ، فاندلعت الحرب بين القنطرار والمشاشية في مزدة والتي تزامنت مع حرب الزنتان والمشاشية الذين تجمعوا من الأماكن التي هجروا منها في الجبل مثل العوينية وزاوية الباقول في منطقة الشقيقة 40 كم شمال مزدة وقصة المشاشية والزنتان تطول ولا يسع المجال لذكرها.